أحمد بن محمد ابن عربشاه

531

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وخيله ، ولم يبد تلك الحال لأحد من الرجال ، بل أخلى بيوته ولازم سكوته ، وقصد أحد الجوانب بما معه من راجل وراكب ، وأقام في كمين ، ينظر أيصدق الواشي أم يمين « 1 » ، فما مضى هزيع « 2 » من الليل إلا وقد هبطت الخيل ، فوجدوا البيوت خالية والأطلال خاوية ، فتحقق صدق الناقل وأنه ناصح عاقل ، فعمل مصلحته وأخذ حذره وأسلحته وتقرر وقوع النكد ، فتقدم إمامهم واستعد فقصدوه ، وبالأذى رصدوه ولا زالوا يتبعونه حتى التقوا بمكان يسمى ببالجونة ، وهو عين ماء في حدود بلاد الخطا فاشتعلت بين الفريقين نار الحرب ، وقصد كل منهم الآخر بالطعن والضرب ، فأعانه الله ونصره ، فكسر الخان وعسكره ، وفر بمن معه من فئة وذلك في سنة تسع وتسعين وخمسمائة . وغنم تموجين من الأموال والمواشي والأثقال ، وذخائر الخزائن ونفائس البحار والمعادن ، ما فات العد والحصر خارجا عن سعادة النصر ، وهرب الخان وتهدمت منه الأركان ؛ فجمع جنكز خان عسكره ، وضبط أسماء من حضره ومن كان شاهد القتال ومواقف الحرب والجدال ، من النساء والصبيان والرجال ، ومن خادم ومخدوم ، وخاصم ومخصوم ، ومأمور وأمير ، وكبير وصغير ، حتى السائس والجمال ، والطباخ والبغال والطفل الرضيع ، والنذل والوضيع ، ومن شهد تلك الغارة ، أو كان في تلك الداره ، ولو حاضر للتفرج مع النظارة ، واستبشر بوجودهم وتيمن بورودهم ، فأثبتهم في الديوان بأسماء آبائهم وجدودهم ، وفرق عليهم ذلك الفىء ولم يرفع إلى خزائنه منه شيء ، بل وزع ذلك المغنم الوافر العظيم المتكاثر على الحاضرين معه من العساكر ، وضبط أسماءهم في الدفاتر ، وفرق ذلك العرض العريض الطويل على قدر الحقير منهم والجليل ووعدهم بكل جميل .

--> ( 1 ) يكذب . ( 2 ) جزء من الليل ، وقيل ساعة .